أبي منصور الماتريدي
208
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأما المحروم فقد روي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن المحروم ، فقال : « المحروم هو الذي لا يثمر نخله ، ويثمر نخل الناس ، ولا يزكو زرعه ، ويزكو زرع الناس ، ولا تلبن شاته وتلبن شاة الناس » فعنوا بالمحروم هذا : أنه حرم بركة ماله . وفي هذا [ الخبر ] « 1 » دليل على أن المرء لا يصير غنيّا بملك النخيل والأرض . وجائز أن يكون المحروم هو الذي حيل بينه وبين وجوه المكاسب ، فمن كان حاله هكذا كان علينا أن نتعاهده ونقوم بكفايته . وقال الحسن : المحروم هو الذي يتعفف عن السؤال وإن هلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ فيوم الدين هو يوم الجزاء ويوم الحساب ، فكل من عرف الجزاء وآمن به لم يجزع بما يصيبه ، ولا منع الحق الذي طلب منه ، ولم يوصف بأنه هلوع ، وإنما الهلوع هو الذي يكذب بيوم الدين ، كما قال : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [ الماعون : 1 ، 2 ] [ فأخبر أن الذي يدع اليتيم ] « 2 » ولا يحض على طعام المسكين هو الذي لا يؤمن بالآخرة . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ، أي : خائفون ، وجلون ، وهم الذين قال - عزّ وجل - في آية أخرى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [ المؤمنون : 60 ] . وسئل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فقيل [ له ] « 3 » : أهم الذين يسرقون ويزنون ويعملون بالمعاصي ؟ فقال : « لا ، بل هم الذين يصومون « 4 » ويصلون ويؤتون الزكاة » ، أو كما قال بلفظه عليه السلام . ووجلهم هو أنهم يخافون ألا يقبل منهم حسناتهم . أو يخافون أن يكونوا قصروا عن الوفاء بشكر النعم ، أو « 5 » غفلوا عن شكر كثير منها . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ فهذا هو الحق ألا يأمن أحد من عذابه [ وإن دأب في عبادته واجتهد في طاعته ؛ لما لا يدري ] « 6 » على ما ذا يختم أمره ؟ أو يخاف
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : يقومون . ( 5 ) في ب : و . ( 6 ) في ب : وإن كان في عبادته مجدّا ، مجتهدا ، مطيعا ، لما لا ندري .